
استهلّت سنة 6202 بحركة إضراب واسعة في قطاع النقل شملت كامل التراب الوطني، وأدّت إلى اضطراب كبير في تنقّل المواطنين وفي حركة نقل السلع والبضائع. فقد دخل سائقو الحافلات وسيارات الأجرة وناقلو البضائع، يوم الأحد 4 جانفي، في إضراب مفتوح، احتجاجًا على الإعلان عن رفع أسعار الوقود، وعلى التطبيق الفوري لقانون جديد للمرور، يهدف – بحسب السلطات – إلى الحد من حوادث السير الخطيرة والمميتة، التي باتت تشكّل مشكلة حقيقية على مستوى السلامة العمومية.
فالأرقام الرسمية مقلقة؛ إذ تشير الإحصائيات إلى تسجيل « أكثر من 52 ألف حادث مرور، و 175.3 ووفاة، ونحو 53 ألف جريح إلى غاية نهاية نوفمبر 5202 » ووفقًا لمعطيات منظمة الصحة العالمية، بلغ معدل الوفيات الناجمة عن حوادث الطرقات في الجزائر سنة 0202 حوالي 8.12 وفاة لكل 001 ألف نسمة، ما يضع البلاد في المرتبة 76 عالميًا من حيث هذا المعدل.
إصلاح متعثر منذ البداية
أمام خطورة الوضع المرتبط بحوادث المرور، تبرز الحاجة الملحّة إلى إطلاق إصلاحات عميقة وتنفيذ مشاريع قادرة على الاستجابة لهذه المأساة اليومية. فالمسألة لا تتعلق بقانون المرور وحده، بل تشمل أيضًا الجوانب المرتبطة بالبنى التحتية، والتكوين، والتسيير الإداري.
غير أنّ القانون الجديد قوبل برفض واسع من قبل مهنيي القطاع، الذين اعتبروه قانونًا صارمًا وغير مقبول، لأنه يحمّل السائقين وحدهم كامل المسؤولية عن حوادث السير. إذ ينص على غرامات قد تصل إلى 12 ألف دينار، وعلى عقوبات سجنية قد تبلغ، في أقصى الحالات، 02 سنة لبعض المخالفات.
هذا الإصلاح السلطوي لقانون المرور، الذي فُرض دون تشاور، وافتقر إلى رؤية واقعية، يركّز أساسًا على المقاربة الزجرية. فهو يكتفي بمعاقبة السلوكيات الفردية، من دون أن يأخذ بعين الاعتبار الإشكالات البنيوية والمسؤوليات الجماعية المرتبطة بحوادث المرور، مثل جودة التكوين في السياقة وإمكانية الولوج إليه، وحالة الطرقات وإشارات المرور، وتقادم حظيرة المركبات، وندرة وغلاء قطع الغيار، فضلًا عن ضعف الاستثمارات في البنى التحتية ووسائل النقل البديلة. وهو ما يجعل هذا الخيار السياسي غير محايدٍ، بل يعكس منطق تسيير قصير المدى، حيث تُعدّ المقاربة الزجرية أقل كلفة وأسرع أثرًا من الاستثمار في مشاريع حقيقية لتطوير قطاع النقل.
تعبئة في سياق قمع عام
تأتي هذه التعبئة كمتنفّس في مناخ عام يتّسم بتضييق متزايد على الحريات. فقد عمدت السلطة إلى تعميم تجريم أشكال الاحتجاج، سواء كانت نقابية أو سياسية أو مواطنية، عبر تشديد المنظومة القانونية وتوظيفها لخدمة أهدافها. (راجع: الجزائر، انحراف سلطوي)
وسعيًا منها لاستعادة زمام المبادرة ومنع اتساع رقعة الاحتجاج إلى قطاعات أخرى، في ظل الارتفاع الأخير لأسعار الوقود وما قد يترتب عنه من موجة غلاء شاملة، أعلنت الحكومة، عقب مفاوضات مع نقابات القطاع، عن ثلاث إجراءات لوقف الإضراب، حسب ما أفادت به الاتحاد الوطني للناقلين يوم 4 جانفي 6202.
الإجراء الأول يتمثل في مراجعة تسعيرة النقل والسماح برفعها. أما الثاني فيخص تعديل قانون المرور، لإدماج خصوصيات ومطالب مهنيي النقل. فيما يتعلق الإجراء الثالث بإقرار « تدابير مرافقة » لدعم الناقلين وتحسين ظروف عملهم.
العمال والطبقات الشعبية من يدفعون الثمن
إن الزيادة في أسعار النقل ستؤدي حتمًا إلى إضعاف القدرة الشرائية للعمال والعاطلين عن العمل والطلبة وصغار الفلاحين، وغيرهم، وهي قدرة شرائية متضررة أصلًا بفعل التضخم وجمود الأجور. ورغم أن مطالب عمال النقل قد تبدو، من بعض الجوانب، مشروعة — خاصة بالنسبة لصغار الحرفيين والتجار الصغار الذين يعانون بدورهم من الارتفاع العام في الأسعار، وغلاء الوقود، وزيادة أسعار قطع الغيار ونقصها — فإن هذه المطالب تطرح مع ذلك إشكالًا كبيرًا عندما ننظر إليها من زاوية مصالح الطبقات الشعبية.
فكل زيادة في تسعيرة النقل تؤدي حتمًا إلى ارتفاع تكاليف المعيشة، ويقع عبء ذلك مباشرة على الأجراء والفئات الشعبية، الذين يُجبرون على « دفع الفاتورة ». وعوض تقديم حلول دائمة للمشكلات البنيوية في قطاع النقل، والاستجابة لحاجات شرائح واسعة من المجتمع، يصرّ أصحاب القرار على سياسات قصيرة المدى ولا اجتماعية: يخففون العبء عن بعض التجار من جهة، لكنهم يثقلون كاهل الفئات الأكثر فقرًا من جهة أخرى. وبعبارة أخرى، يسترجعون بيد ما يمنحونه بالأخرى، كما هو الحال مع الزيادات الأخيرة في الحد الأدنى للأجور والمنحة المخصصة للبطالة، وهي زيادات محتشمة وغير كافية إلى حد كبير.
انفتاح يمكن للعمال أن يدفعوه إلى أبعد
إن تحرك عمال النقل يفتح ثغرة في سياق يتسم بالقمع العام. وإذا كان هذا التحرك، رغم طابعه المهني والفئوي أساسًا، قد نجح في إجبار الحكومة على التراجع، فإن عالم الشغل يمتلك قدرة على الفعل أوسع بكثير، بحكم حجمه العددي وموقعه الاستراتيجي في المجتمع.
فعلى عكس البرجوازية الصغيرة، يشكل العمال القوة الاجتماعية الأساسية، ليس فقط بسبب وزنهم الديمغرافي، بل خصوصًا بسبب الدور المركزي الذي يؤدونه في الاقتصاد. فهم من يضمنون سير جميع سلاسل الإنتاج والخدمات.
ومن ثمّ، فإنهم وحدهم القادرون على صياغة مطالب تتجاوز المصالح القطاعية الضيقة، وحمل تطلعات أغلبية السكان بشكل موحد ومتناسق.
ع إ

Laisser un commentaire