
منذ نهاية حركة الاحتجاج الشعبية (الحراك)، غرقت الجزائر في حلقة قمعية تتسع باستمرار. قامت السلطة، المنخرطة بعزم في تشديد سلطوي، بتجريم – وبشكل منهجي – أيّ صوت معارض. وأصبحت أحكام السجن أمرًا شائعًا لمجرد منشورات على شبكات التواصل الاجتماعي. هذه القبضة الحديدية تطال شخصيات سياسية ونقابية ومواطنين عاديين.
فقد اعتقل عشرة نقابيين من الشركة الوطنية للنقل بالسكك الحديدية (FTNS)، من بينهم الأمين العام الجديد للاتحاد النقابي للقطاع، إثر حركة إضراب مفاجئة تمكنت من شل الشبكة الوطنية بأكملها في 62 نوفمبر الماضي. وتعرّض الياس تواتي، وهو ناشط في الحزب الاشتراكي للعمال، لملاحقة قضائية شرسة، أذ حُكم عليه بستة أشهر سجن نافذة وغرامة مالية قدرها 000.001 دينار لتعبيره عن دعمه لتعبئة طلاب الثانوية، ثم وُضع تحت أمر بالإيداع تلاها تفتيش منزله في 14 ديسمبر الماضي بتهمة واهية بالتواطؤ مع حركة « الماك »، رغم أن نضاله المناهض للإمبريالية والصهيونية يشهد على عكس ذلك تمامًا. كما سُجنت عبلة قماري لانتقادها وقائع فساد في منطقة ورقلة. ومُنع سمير العربي من مناقشة أطروحة الدكتوراه الخاصة به، رغم طابعها الأكاديمي، بحجة أن موضوعها يحمل « دلالة سياسية ».
يضاف إلى هذا القمع المستهدف سلسلة من الإجراءات التعسفية الهادفة إلى تفكيك الهياكل المنظمة: تعليق أنشطة منظمات سياسية مثل الحزب الاشتراكي للعمال (TSP) وحل جبهة اليسار الديمقراطي (GDF) و حلّ جمعيات مثل حركة « تجمع – عمل – شباب« (JAR) والرابطة الجزائرية للدفاع عن حقوق الإنسان (HDDL). في نفس الوقت، يتم خنق فضاء الاحتجاج الاجتماعي والنقابي: إذ نشهد، منذ نهاية الحراك، تنظيما منهجيا لأي تظاهر على الطريق العام وصل إلى حدّ المنع في جوان 1202، باستخدام حجة جائحة كوفيد-19 أولا، تلتها ذرائع أخرى كالدوافع الأمنية، كما لوحظ نشر مكثف لقوات الأمن لمنع أي تجمع، وملاحقة واعتقال نقابيين ينتمون إلى منظمات مستقلة، مثل النقابة الوطنية لعمال الكهرباء والغاز (GETANS) أو النقابة الوطنية للإدارة العمومية (PAPANS) بالإضافة إلى قمع حركات الإضراب في قطاعات حيوية مثل الصحة والتعليم أو المحروقات.
هذا وقد تمت إساءة استخدام الترسانة القانونية وتحويلها إلى أداة قمع لأي نوع من المعارضة من خلال توسيع قانون مكافحة الإرهاب في المادة « 78 مكرر »، واستخدام « المواد 77، 87، 97، 59 مكرر، 69، 001 » من قانون العقوبات بشكل مسيء وتعسفي لتجريم مناضلين وناشطين سلميين، على غرار حالة الشاعر الشاب المنتمي للحراك محمد تاجديت، ما أدّى إلى تحويل أي انتقاد إلى تهديد للأمن الوطني. هذا التكاثر للإجراءات القمعية، من الرقابة الأكاديمية إلى حل الجمعيات مرورًا بتجريم العمل النقابي (الذي تم ترسيخه في القانون الجديد رقم 32-20 المؤرخ في 52 أبريل 3202 المتعلق بممارسة الحق النقابي) يرسم ملامح سلطة سياسية تختار الإكراه المنهجي للرد على أي مطلب بالتغيير.
أزمة شرعية عميقة
يُفسر هذا القمع الشامل أولاً وقبل كل شيء بالصدمة التي مثلها الحراك لسلطة كانت تعتقد أنها غير قابلة للزعزعة. تم اخذها على حين غرة، وهي التي كانت تعتمد على استسلام مفترض للجماهير وعلى تفتيت النضالات الاجتماعية والسياسية المتناثرة على التراب الوطني، والتي كانت قد نجحت حتى ذلك الحين في احتوائها. إذ حاليا، أصبح يُنظر إلى أدنى تعبير معارض على أنه تهديد وجودي. وتجسيدًا لهذا المنطق المغلق، يظهر الرئيس عبد المجيد تبون كشخصية سلطة منقوصة « بونابارت الضعيف »، على رأس نظام سياسي مغلق بالكامل، غير قادر على الإصلاح أو تقديم أدنى أفق ديمقراطي، فلا يمكنه البقاء إلا من خلال تشديد القمع، في محاولة متعمدة لاستعادة السيطرة المطلقة على الفضاء العام.
ويتضح أن الكتلة الحاكمة، المتمثلة في تبون والمدعومة مباشرة من الجيش، عاجزة عن بناء شرعية دائمة. فقاعدتها الاجتماعية، المقتصرة على زبونة محدودة، لا تضمن لها أي استقرار. وكانت الانتخابات الرئاسية لشهر سبتمبر 4202 دليلاً صارخًا على ذلك: فقد تميزت بفوضى مؤسساتية، ولم تحصل إلا على نسبة مشاركة حقيقية تقدر بـ 32٪، علامة على رفض جماعي وعميق. يكشف فشل التلاعب الانتخابي وكذا الخلافات العلنية داخل السلطة نفسها عن عجزها عن السيطرة على منظورها السياسي الخاص.
وتستمر هذه الأزمة بسبب الاستمرار في السياسات الاقتصادية غير الاجتماعية من قبل الكتلة الحاكمة. هذا وقد تسبب تدهور الخدمات العامة، خاصة في قطاعات الصحة والتعليم والنقل، في اضطرار العمال إلى اللجوء إلى هياكل خاصة للعلاج أو تمويل دروس الدعم لأطفالهم، غالبًا بتكاليف باهظة، مما يزيد من الضغط الاقتصادي على الفئات الشعبية. ويظل عرض النقل العام بدائيًا، معتمدا على حافلات عتيقة مفوضة للقطاع الخاص بأسعار مرتفعة جدًا، ويشهد حوادث متكررة تجعل التنقل اليومي صعبًا. كما يظل بناء السكن الاجتماعي غير كاف. فبالرغم من الجهود المبذولة، لا يزال الطلب يتجاوز العرض بكثير. فحسب تقديرات المركز الوطني للسكن (LNC)، في نهاية عام 4202، كان لا يزال أكثر من 3.1 مليون طلب نشط قيد الانتظار. يضاف إلى ذلك إطار معيشي متدهور يتّسم بانعدام الصحة، وبغياب أو عدم ملاءمة التهيئة الإقليمية، وببيئة متدهورة على نطاق واسع، وهو ما يعزز الشعور بخذلان السلطات العامة.
وتثير محاولات مراجعة الدعم الشامل لصالح ما يسوق له بـ « الدعم المستهدف » قلقًا عميقًا بين الجماهير، التي تدرك بوضوح منطق التقشف والتعديل الليبرالي المنفصل تمامًا عن الواقع الاجتماعي. في بلد حيث يشغل القطاع غير الرسمي عاملًا من بين كل عاملين ويمثل ما يقرب من 54٪ من الناتج المحلي الإجمالي، لا يشكل مثل هذا الاستهداف أو إعادة توجيه الدعم، المستحيل التنفيذ في الواقع، سوى آلية للإقصاء الاجتماعي في خدمة الفئات المهيمنة.
وتظل الإجراءات الاجتماعية القليلة التي تم اعتمادها مؤخرًا مثل رفع الحد الأدنى المضمون للأجور الوطني (GMNS) أو تعويضات البطالة تافهة أمام ارتفاع الأسعار. فالأجور الضعيفة – حوالي 052 دولار في المتوسط خارج الأجر الاجتماعي – والتي يأكلها التضخم وانخفاض قيمة الدينار المستمرين في السنوات الأخيرة – لا تسمح للعمال بتغطية احتياجاتهم الأساسية. يضاف إلى ذلك مشكلة البطالة التي تتجاوز نسبتها 03 ٪ عند الشباب والذين يمثلون حوالي 24٪ من السكان. هاته الفئة العمرية المنحصرة ما بين 61 و43 سنة لا ترى أفقا سوى الهجرة، في ظل غياب تام لمشروع تنمية وطني يستجيب لاحتياجات الجماهير.
ثغرة للتدخلات الإمبريالية
بغض النظر عن الديناميكيات الداخلية للجزائر، فإن عدم الاستقرار الدولي الحالي، المتميز بعودة النزعة العسكرية والحروب (الحرب في أوكرانيا، الإبادة الجماعية في غزة، المواجهات حول تايوان، الضغوط الأمريكية ضد فنزويلا، إلخ) يؤدي إلى إعادة تشكيل التحالفات الجيوستراتيجية.
في هذا السياق، تجد الجزائر، التي كانت تقليديا مترددة في الانصياع لتوجيهات القوى الإمبريالية الكبرى ونادرًا ما كانت منحازة تمامًا، نفسها معرضة لمخاطر التدخل والزعزعة. وتتفاقم هذه التهديدات بسبب الوضع الإقليمي: عدم الاستقرار المستمر في الساحل وليبيا، الدور الغامض والمتعثر أحيانًا لروسيا (الدعم لحفتر، وجود فاغنر ثم أفريكاكوم في مالي)، ناهيك عن القرب من المغرب الذي يتصرف كحلقة وصل للإمبريالية الغربية وحليف عسكري لدولة الاحتلال الإسرائيلي.
في مواجهة هذه البيئة المتوترة، تحاول الجزائر إعادة تقييم تحالفاتها بعد سلسلة من النكسات: الرفض الأولي ثم القبول كضو مراقب فقط داخل مجموعة البريكس (SCIRB)، اعتراف عدد من القوى بما فيها الولايات المتحدة وفرنسا وإسبانيا بخطة الحكم الذاتي المغربية حول الصحراء الغربية، والاعتماد في الأمم المتحدة لقرار أكثر ملاءمة نوعا ما للمغرب.
في هذا السياق تظهر اليوم محاولات تقارب مع الولايات المتحدة، إذ تحاول السلطة حاليا الاعتماد على تحالفات خارجية من المفترض أن تضمن استقرارها، وهو ما يترجم عمليًا بتنازلات دبلوماسية واقتصادية كبرى، تتجلى على المستوى الدبلوماسي بتصويت الجزائر لصالح الخطة الأمريكية حول غزة، وهو نص ينفي أفق تقرير المصير للشعب الفلسطيني. وأثار هذا الموقف – الذي يمثل قطيعة مع الخط التاريخي للبلاد – استياءً عميقًا حتى داخل الأوساط التقليدية القريبة من السلطة، مما عمق التناقضات الداخلية. (اقرأ المقال عن غزة). في نفس الوقت، على المستوى الاقتصادي، تشكل مشاريع تبخيس الموارد الوطنية على غرار قانون المناجم الأخير والاستغلال المبرمج للغاز الصخري المصممة خصيصًا لمصالح الشركات متعددة الجنسيات خاصة الأمريكية، رموزا لسياسة مراجعة مبدأ السيادة على الثروات الوطنية.
وإخفاء لهذه المراجعات، ولتعذرها عن الاستجابة للتطلعات الاجتماعية-الاقتصادية والديمقراطية للعمال، « مع أنها ما يشكل أفضل حصن ضد التدخلات الإمبريالية »، تحاول السلطة بناء سردية تمجيدية حول ما يسمى بـ « القوة الضاربة ». ويستغل التهديد الخارجي بشكل واسع لإثبات الاندماج الداخلي، فتقدم السلطة نفسها كضامن للاستقرار الوطني مبرزةً الدور المركزي للمؤسسة العسكرية. لكن هذه الإستراتيجية لا تنتج التأثيرات المتوقعة، بل يتكاثر النقد الذي تغذيه هذه الإخفاقات وإعادة التموضع، من كل الجهات. فالسلطات، التي أضعفتها تناقضاتها الداخلية، تتراجع عندئذ نحو سلطوية مُعلنة، وقد تجسد هذا الانحراف السلطوي بوضوح من خلال اختراع، عبر بيان للوكالة الجزائرية للأنباء في نوفمبر 5202، لجريمة مزعومة وهي «المساس بالسياسة الخارجية »، ما يقر بأن هذه الأخيرة حق يدعى أنه محفوظة للرئيس فقط.
أخيرًا، يشكل هذا الاستبداد نقطة ضعف حقيقية للدول المتمردة على النظام الإمبريالي، مثل الجزائر. من خلال إضعافها للضوابط الداخلية، وتفكيكها للقوى الاجتماعية وكسرها للديناميكيات الشعبية، تفتح ثغرات واسعة للتدخلات الخارجية. في المقابل، تبقى فقط القوى الحية للمجتمع، تلك التي تتبنى خطًا فعلا مناهضًا للإمبريالية، ما يمثل الحصن الأخير ضد هذه التدخلات والتنازلات المفروضة من الخارج.
رغم القمع، النضالات مستمرة
في هذا السياق الخانق، لم يستسلم المجتمع الجزائري تمامًا. فرغم تراجع واضح للتعبئات، تستمر مبادرات مقاومة. إذ يتحدى العمال المنع من خلال إضرابات من أجل أجورهم وظروف عملهم، مثل إضرابات الأساتذة، وموظفي شركة النقل الحضري والشبه الحضري (ASUTE) أو سائقي القطارات. ويواصل السكان، سواء في المدينة أو في الريف، المطالبة بالحصول على السكن والماء والطاقة أو على خدمات عمومية لائقة. كما يحشد الشباب، من طلاب الثانوية إلى طلاب الطب، جهودهم لإسماع طموحاتهم.
هذه النضالات، رغم تفتتها، تشهد على مرونة اجتماعية تمنع السلطة من إكمال إغلاقها. إنها تمثل البوادر الهشة، ولكن حقيقية، لهجوم شعبي مضاد ممكن ومرغوب فيه قادر، على المدى، على إعادة إعطاء أفق تحرر لجميع الفئات المحرومة في المجتمع: العمال، الفلاحين الصغار وشباب اليوم غير المطمئن على مستقبله.
ع إ

Laisser un commentaire