تجاوزت الإمبريالية الأمريكية مرحلة جديدة وخطيرة من التصعيد. فقد تعرّضت فنزويلا، يوم السبت 3 يناير، لهجوم عسكري أمريكي أسفر عن اختطاف الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو وزوجته.
وقد نقل الرئيس الفنزويلي إلى الأراضي الأمريكية، حيث جرى اعتقاله في سجن فدرالي بمدينة نيويورك. وقد وُجّهت إليه تهمة ما تسميه واشنطن « الإرهاب المرتبط بالمخدرات » وفي اليوم نفسه، أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أن الولايات المتحدة ستتولى «إدارة» فنزويلا إلى حين تنفيذ ما وصفه بـ« انتقال سياسي آمن ».
من جهتها، نددت فنزويلا بما اعتبرته «عدوانًا عسكريًا بالغ الخطورة». وأكدت نائبة الرئيس ديلسي رودريغيز أن الحكومة مستعدة « للدفاع عن البلاد »، مشددة على أن نيكولاس مادورو هو « الرئيس الشرعي والوحيد » لفنزويلا. وقد تتولت ديلسي رودريغيز مهام الرئاسة بالنيابة في ظل هذا الوضع الاستثنائي الذي تشهده البلاد.
يأتي هذا الاعتداء بعد سلسلة من الهجمات المتعددة التي أمر بها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، في محاولة لخنق البلاد اقتصاديًا وإضعافها، تمهيدا لإسقاط حكم الرئيس نيكولاس مادورو.
فالقوات البحرية الأمريكية المتمركزة في منطقة الكاريبي تفرض عمليًا حصارًا على فنزويلا، عبر اعتراض ناقلات النفط التابعة لها وتهديد أي دولة تفكر في مواصلة التعامل التجاري معها.
وتحت حجة مضلّلة وهي «مكافحة المخدرات»، كثّف ترامب الضربات التي استهدفت قوارب صيد، ما أدى إلى سقوط قتلى. وفي هذا السياق، أعاد دونالد ترامب التأكيد، في 92 ديسمبر، خلال لقائه مع بنيامين نتنياهو، على أن الولايات المتحدة دمّرت في فنزويلا منطقة رسوّ للسفن قُدِّمت على أنها مرتبطة بتهريب المخدرات. وقد تشكل هذه العملية أول ضربة برية تنفذها واشنطن هناك، ما يكشف مرة أخرى أن ما يسمى بالحرب على المخدرات ليس سوى ذريعة إضافية لضرب البلاد وانتهاك سيادتها.
هذه الأفعال ليست حوادث معزولة، بل تأتي ضمن استراتيجية شاملة تهدف إلى إضعاف الدولة الفنزويلية، وزعزعة استقرار حكومة نيكولاس مادورو، وتهيئة الظروف لتغيير النظام بما يخدم المصالح الإمبريالية.

فنزويلا: هدف دائم للإمبريالية الأمريكية في القارة
منذ وصول هوغو تشافيز إلى السلطة عام 9991، أصبحت فنزويلا أحد الأهداف الرئيسية للسياسة الأمريكية في أمريكا اللاتينية. فقد قاد تشافيز، وهو زعيم شعبيّ ومعادٍ للولايات المتحدة بشكل علني، عملية تأميم واسعة للموارد الطبيعية، خاصة في قطاع النفط، واضعًا حدًا لعقود طويلة من النهب المفرط من قبل الشركات متعددة الجنسيات، وهو أمر لم تغفره له هذه القوى أبدًا.
وقد سمحت هذه السياسة للبلاد باستعادة جزء من سيادتها الاقتصادية، وتمويل برامج اجتماعية في مجالات الصحة والتعليم ومكافحة الفقر. وجاءت التشافيزية امتدادًا لتقاليد مقاومة الإمبريالية، لكنها دافعت عن اشتراكية إصلاحية سعت إلى تغيير الدولة وتحسين ظروف عيش الفئات الشعبية، دون القطيعة الكاملة مع بنية النظام الرأسمالي.
شكّل وصول تشافيز إلى الرئاسة قطيعة مع السياسات النيوليبرالية السابقة، وحظي بدعم واسع من العمال والفلاحين والفئات الأكثر فقرًا. غير أن هذا المشروع حمل في داخله تناقضات عميقة، إذ حافظت الحكومة التشافيزية، رغم خطابها الراديكالي، على تسويات دائمة مع البرجوازية المحلية وبعض أطراف رأس المال الدولي.
هذه التنازلات سمحت لقطاعات من الطبقة المهيمنة بالحفاظ على مصالحها وعلى قدرتها في التفاوض مع الإمبريالية، ما فتح الطريق أمام تفكيك تدريجي للمكاسب التي حققتها سياسات تشافيز.
نيكولاس مادورو: وريث مثير للجدل

بعد وفاة هوغو تشافيز عام 3102، تولى نيكولاس مادورو، وزيره السابق، قيادة البلاد في ظرف بالغ الصعوبة. وعلى عكس سلفه، لم يتمكن مادورو من الحفاظ على دعم شعبي قوي ومستقر. ورغم إعادة انتخابه عام 8102 في انتخابات طعنت فيها المعارضة الليبرالية، فإن عهدته تميزت بأزمة اقتصادية حادة، وتضخم كبير، وندرة في الغذاء والدواء، ما عمّق البؤس الاجتماعي.
ومنذ وصوله إلى الحكم، اعتمدت حكومة مادورو بشكل متزايد على القمع والسيطرة السياسية لمواجهة المعارضة. وفي الوقت نفسه، شهدت البلاد تحوّلًا اقتصاديًا تمثل في إدخال إجراءات نيوليبرالية، مثل تحرير جزئي للاقتصاد، وتقديم تنازلات للقطاع الخاص، وسياسات تخدم رأس المال.
وقد أدت هذه الخيارات إلى تفاقم التفاوت الاجتماعي، وإضعاف القاعدة الشعبية التاريخية للتشافيزية، وخيّبت آمال قطاعات من العمال والحركات الشعبية.
ورغم ذلك، يواصل مادورو مقاومة الهجوم الأمريكي، مستندًا إلى دعم قوى مثل روسيا والصين وإيران، التي ترى في فنزويلا موقعًا مهمًا لمواجهة الهيمنة الأمريكية. إلا أن الحرب الاقتصادية، والعقوبات الدولية، والعزلة الدبلوماسية، تبقى عوائق كبيرة أمام أي استقرار دائم في البلاد.
تخريب اقتصادي وهجوم سياسي من اليمين الموالي للإمبريالية
تجلّت عملية زعزعة استقرار فنزويلا بشكل صارخ عام 9102، عندما أعلنت واشنطن والاتحاد الأوروبي خوان غوايدو — الذي لم يترشح للانتخابات — «رئيسًا لفنزويلا». كما أدى تجميد ومصادرة أصول الدولة الفنزويلية في الخارج، وخاصة أصول شركة النفط الوطنية، إلى حرمان البلاد من موارد أساسية، ودفع ملايين العمال والفلاحين إلى فقر مدقع.
وتتواصل هذه الاستراتيجية الإمبريالية عبر شخصيات من المعارضة مثل ماريا كورينا ماتشادو، التي تمثل محاولة جديدة لإعادة نظام خاضع بالكامل لمصالح رأس المال الدولي.
وأمام هذا الهجوم، لا يزال نظام مادورو قادرًا على تعبئة جزء مهم من السكان حول شعار الدفاع عن السيادة الوطنية. فقد شهدت كاراكاس ومدن أخرى تظاهرات حاشدة عبّرت عن رفض أي عدوان عسكري أجنبي محتمل.
ورغم كل هذه الهجمات المتكررة، ظهر نظام مادورو، إلى غاية اختطافه، على أنه قادرٌ على تعبئة جزء مهم من السكان حول شعار الدفاع عن السيادة الوطنية. فقد شهدت كاراكاس ومدن أخرى تظاهرات حاشدة عبّرت عن رفض أي عدوان عسكري أجنبي محتمل.
ما آفاق المقاومة الفنزويلية؟
تُظهر التجربة الفنزويلية أن مقاومة الإمبريالية لا يمكن أن تقتصر على الدفاع عن دولة أو حكومة. فقد كشفت الاشتراكية الإصلاحية التي حملتها التشافيزية حدودها، من استمرار اللامساواة، وانتشار الفساد، وتقييد الحريات الديمقراطية، وقمع التنظيم المستقل للعمال والفلاحين.
ورغم أن المقاومة الفنزويلية تظل عنصرًا مهمًا في مواجهة العدوان الإمبريالي، فإن السؤال الجوهري يبقى متعلقًا بآفاقها السياسية. فمن دون قطيعة حقيقية مع الإمبريالية ومع البرجوازية المحلية في آن واحد، ومن دون وصول مباشر للعمال والفلاحين الفقراء إلى السلطة، قد تبقى هذه المقاومة حبيسة طريق مسدود.
ومهما تكن الأهداف السياسية التي قد تطرحها هذه المقاومة، فإن من الضروري بشكل عاجل فضح العدوان الأمريكي الجاري وإدانته بقوة.
فلتسقط الإمبريالية!
مصالي شارسكي

Laisser un commentaire