خلال آخر اجتماع لمجلس الوزراء لسنة 5202، المنعقد يوم الأربعاء 82 ديسمبر 5202، منح الرئيس عبد المجيد تبون موافقته على تعديل دستوري جديد يمسّ الأحزاب السياسية. وقد أُحيل مشروع القانون إلى البرلمان في 5 يناير 6202.

وقد قُدّم النص على أنه ثمرة مشاورات مع مختلف التشكيلات الحزبية، ورافقته تعليقات تمجيدية من الأحزاب التي تدور في فلك الرئيس، ما بعث على الأمل في تخفيف الإطار التنظيمي المفروض على الأحزاب والنشاط السياسي. غير أنّ الاطلاع على أولى المقالات الصحفية، رغم أنّ النص الرسمي لم يُنشر بعد (وهو ما يُعدّ بحد ذاته إشكالاً ديمقراطياً)، يُظهر أنّ الأمر لا يعدو أن يكون عملية تكميم للأحزاب السياسية، تسمح للدولة بالتدخل في تسييرها، وهو اختصاص يفترض أن يعود إلى المناضلين وهيئاتهم المنتخبة.

ومن جهة أخرى، يفرض المشروع على الأحزاب السياسية احترام حصة بنسبة 01% من الشباب والنساء ضمن أعضائها المؤسسين. ورغم وجاهة هذا الإجراء في سياق سياسي تهيمن عليه الذكورية، فإن فرض مبدأ المناصفة في القوائم الانتخابية كان سيُعدّ خطوة أكثر جرأة.

كما ينص القانون على فرض «محاسبة صارمة» تحت طائلة حلّ الحزب. ويبدو هذا الإجراء، بصيغته الواسعة والمرنة، قابلاً لتأويلات تعسفية ولممارسات قد تنطوي على تجاوزات، رغم أنه يستجيب لهواجس مشروعة، تتمثل في الحد من التمويلات الأجنبية (عبر برامج مختلفة ومنظمات غير حكومية) التي تخلّ بالتوازن الديمقراطي لصالح الأحزاب الليبرالية البرجوازية المستفيدة منها، وعلى حساب التشكيلات السياسية، كأحزاب الطلبة والعمال، التي تعتمد حصرياً على اشتراكات أعضائها ومنضاليها.

غير أن الأخطر من ذلك هو التدخل الصارخ للدولة في النقاشات الداخلية للأحزاب، من خلال منع المنتخبين من تغيير انتمائهم الحزبي خلال عهدتهم، وحصر عهدة رئيس الحزب في ولايتين فقط (مع إلزامية إدراج ذلك في النظام الأساسي). ورغم أن هذه الممارسات قد تثير إشكالات، فإنها تندرج في إطار النقاش الديمقراطي الداخلي، ولا تدخل ضمن صلاحيات وزارة الداخلية.

كما ينص القانون على «تشديد شروط التمثيل الإقليمي» لتأسيس حزب جديد، إذ سيُشترط توفر 006 عضو ينتمون إلى ما لا يقل عن ثلث الولايات، إضافة إلى مشاركة ممثلين عن ربع الولايات خلال المؤتمر التأسيسي. وهو ما يشكل مساراً مليئاً بالعراقيل، لم يكن حتى جبهة التحرير الوطني سنة 5491، ولا نجم شمال إفريقيا سنة 6291، ليستطيعا تجاوزه في ظروف مماثلة.

ويُدخل النص كذلك إمكانية حلّ الحزب في حال عدم تقديمه مرشحين في انتخابين متتاليين. غير أن الامتناع عن الترشح قد يكون موقفاً سياسياً بحد ذاته، ما يجعل هذا الإجراء إنكاراً صريحاً للحرية السياسية.

ويتطرق المشروع أيضاً إلى وضعية الأحزاب المعلّقة، حيث يُلزمها بالمرور عبر القضاء للفصل في وضعها، ثم الامتثال لأحكام القانون الجديد خلال أجل أقصاه ستة أشهر. فهل نحن بصدد رفع الحظر عن بعض الأحزاب الممنوعة؟

كما تنص المادة الثامنة على منع الأحزاب من استعمال اللغات الأجنبية في أنشطتها الداخلية، في إجراء ديماغوجي لا معنى له، في وقت تُستعمل فيه اللغة الفرنسية – المستهدفة بوضوح بهذا النص – على نطاق واسع في الحياة اليومية، وفي الصحافة، والجامعة، وحتى في مراسلات الإدارات العمومية.

وقد قدّم الرئيس تبون هذا القانون على أنه «من أكثر القوانين ديمقراطية»، غير أنه يتضح في النهاية كنص يهدف إلى إضعاف الأحزاب والعمل السياسي، من خلال وضعها تحت التهديد الدائم بالتعليق أو الحل بسبب خياراتها السياسية.

فمنذ نهاية الحراك، ووصول تبون إلى الحكم، تراجعت الحريات العامة والسياسية والنقابية التي كانت محدودة أصلاً، حيث لجأت الدولة إلى سجن مناضلين وصحفيين، وتعليق نشاط أحزاب مثل الحزب الاشتراكي للعمال (TSP) والحركة الديمقراطية والاجتماعية (SDM)، في مسعى لخنق كل صوت معارض.

وكان بالإمكان سلوك مسارات إصلاحية أخرى من أجل انفتاح ديمقراطي حقيقي، من بينها اعتماد نظام التصريح بدل الترخيص المسبق للتجمعات والاجتماعات العامة، وسنّ قانون عفو للإفراج عن المعتقلين السياسيين، وضمان الحق في الإضراب، وإعادة الاعتبار للأحزاب والجمعيات المعلّقة، وتخفيف القبضة البيروقراطية، واعتماد نظام التصريح لتأسيس الجمعيات. وينبغي أن يشمل هذا الإجراء جميع الجمعيات، ذات الطابع السياسي أو غيره، بغضّ النظر عن عدد الأعضاء، أو المكان أو القضية أو اللغة المستعملة. ويُفترض أن يقتصر دور الدولة، عبر وزارة الداخلية، على تسجيل هذه التصريحات.

غير أنّ هذا لا يبدو الخيار الذي اختاره رئيس الدولة، الذي يفضّل الإبقاء على سيطرة شاملة على المشهد السياسي.

هذا راينا

Laisser un commentaire

En savoir plus sur Hada Raïna - ھذا راينا

Abonnez-vous pour poursuivre la lecture et avoir accès à l’ensemble des archives.

Poursuivre la lecture