صورة التُقطت في 2 يناير، أثناء هجوم شباب على مبنى حكومي في مدينة فاسا جنوب إيران.

مساهمة كُتبت يوم الأحد 11 يناير

تصل الأخبار بصعوبة بالغة. فصفحات نشطاء عمال إيرانيين لاجئين في أوروبا تحاول، قدر المستطاع، نقل ما يتوفر من معلومات حول موجة الاحتجاجات التي تشهدها إيران.

منذ انطلاق الحركة الاحتجاجية، يتصدر الشباب الصفوف الأولى، وهم من يدفع الثمن الأغلى. وحتى الثامن من يناير 6202، تتواتر التقارير خصوصاً حول اعتقال عدد كبير من الشبان المتظاهرين، نشرت مواقع إخبارية مناضلة صوراً وأسماء بعضهم: كيميا حداديان، 71عاماً. كوروش خيري، 31عاماً. أمير حسين كريمبور، 61عاماً… كما أُصيبت طفلة برصاص قوات الأمن، ويُرجَّح أنها اعتُقلت خلال مظاهرات نازياباد (طهران) مساء 4 يناير، نحو الساعة الثامنة ليلاً.

وبخصوص شابة أخرى مفقودة، سوغند منصوري، 41 عاماً، كتب أحد المواقع:
« كانت ترتدي سترة رمادية، ولا تتوفر حتى الآن أي معلومات عن وضعها الصحي أو مكان احتجازها« .تدير هذا الموقع صحفية لاجئة في فرنسا منذ عام 3202 تبلغ من العمر 52عاماً، وكانت هي نفسها قد اعتُقلت عام 2202 خلال موجة الاحتجاجات الكبرى التي أعقبت مقتل مهسا أميني، ولا سيما بسبب إجرائها مقابلة مع والد الشابة الإيرانية التي قُتلت أثناء اعتقالها من قبل شرطة الأخلاق بحجة « سوء ارتداء الحجاب ».

ينقل هؤلاء النشطاء، المرتبطون مباشرة بالمتظاهرين داخل إيران، وقائع هذه الموجة الجديدة من الاحتجاجات، التي واجهتها قوات الأمن بتصعيد قمعي واضح خلال اليومين الأخيرين (6 و7 يناير).

في البداية: ضد الغلاء…

انطلقت الحركة في 82 ديسمبر 5202، بإضراب تجار طهران ومدن كبرى أخرى. وكان هدفاها الأساسيان:
أولاً، التضخم الجامح، إذ تفاقم معدل التضخم الذي بلغ 05% العام الماضي بسبب الانهيار المتواصل للريال الإيراني؛ وثانياً، التداعيات الكارثية لتدهور الوضع الاقتصادي الناتج بدرجة كبيرة عن العقوبات الإمبريالية المفروضة على إيران.

وسرعان ما امتدت الحركة إلى الجامعات. وأصبحت التظاهرات اليومية، التي يقودها الشباب، تعمّ مختلف أنحاء البلاد. ولم يتأخر النظام في الرد، عبر إطلاق حملة قمع واسعة النطاق تعكس الطابع الوطني للحركة. إذ أفادت نقابة المعلمين باعتقال مئات طلاب الثانويات بعنف شديد خلال اليومين الأولين للاحتجاجات. كما حشر في السجن المركزي بأصفهان، أكثر من 051 معتقلاً من بينهم مُصابون نُقلوا إلى عيادة السجن.

وفي الثالث من يناير، نقل نحو مئة معتقل حشروا في قاعة واحدة إلى سجن قم، جنوب طهران، مهد الحوزات الدينية. كما استُخدمت بنادق كلاشنيكوف، وربما رشاشات ثقيلة في قمع السكان الذين نزلوا إلى شوارع مقاطعة الملك‌شاه، ذات الغالبية الكردية.

وفي 4 يناير، أفادت حصيلة أولية باعتقال نحو 099 شخصاً منذ بدء الحركة. كما قُتل ما لا يقل عن 21 شخصاً، بينهم عناصر من قوات الأمن، منذ 82 ديسمبر. غير أن الكلفة الحقيقية أعلى بكثير، بحسب المواقع المناضلة الإيرانية، التي وثّقت مقتل ما لا يقل عن 91 متظاهراً برصاص قوات الأمن في سبع محافظات، إضافة إلى إصابة مئات آخرين في مختلف أنحاء البلاد.

ينسجم هذا القمع بلا تنازل مع توجيهات قمة السلطة. فقد حذّر رئيس السلطة القضائية، غلام حسين محسني إجئي، يوم الاثنين 5 يناير، من أنه لن تكون هناك « أيّ رأفة » مع « مثيري الشغب ».
أما المرشد الأعلى، آية الله علي خامنئي، الذي التزم الصمت في بداية الاحتجاجات، فقد اعتبر في خطاب ألقاه أمام أنصاره في طهران يوم الجمعة 9 يناير أن المطالب الاقتصادية للمتظاهرين « مشروعة »، في حين أكّد أن « مثيري الشغب » يجب « إعادتهم إلى حجمهم »، في إشارة واضحة إلى إعطاء الضوء الأخضر لقمع المتظاهرين، الذين وصفهم أيضاً بأنهم « عملاء للعدو ».

… واليوم: ضد السلطة!

تشمل الاحتجاجات وأعمال القمع ما لا يقل عن 54 مدينة، معظمها صغيرة أو متوسطة الحجم، وتقع في الغالب غرب البلاد، وفق تحليل يستند إلى البيانات الرسمية ومعلومات الإعلام المحلي. وقد طالت الحركة حتى الآن ما لا يقل عن 52 محافظة من أصل 13، وهي آخذة في الاتساع والتصعيد والراديكالية، بحسب صحفي في طهران. وأعلنت السلطات إغلاق المؤسسات العامة، واضعةً آلاف الموظفين في «إجازات»، بذريعة البرد والحاجة إلى ترشيد استهلاك الطاقة.
في فيديو انتشر على نطاق واسع بتاريخ 4 يناير، يظهر متظاهرون في مدينة همدان، غرب البلاد، بينهم نساء، وهم ينقضّون على عنصر من ميليشيا الباسيج بلباسه العسكري لنزع سلاحه بعد أن أطلق النار عليهم. بعضهم انهال عليه ضرباً، فيما حاول آخرون منعه من التعرض للقتل.

وتُظهر مقاطع أخرى مشاهد مماثلة، تكشف أن المحتجين لم يعودوا يخشون مواجهة الجهاز القمعي، من خلال رشق مصالحه بالحجارة أو الركوع سلمياً أمام قوات الأمن، في تحدٍّ صريح لخطر الاعتقال. كما تُسمع شعارات سياسية تمتزج اليوم بالمطالب الاقتصادية، في تعبير عن سخط عام يجتاح مختلف فئات المجتمع.
وإلى جانب التجار المتضررين من انهيار العملة، الذي شلّ تجارة السلع المستوردة، تعاني مجمل فئات الشعب من تضخم متسارع. إذ ارتفعت الأسعار بنسبة 25% خلال عام واحد، بحسب مركز الإحصاء الإيراني، وهي نسبة تخفي زيادات أكبر بكثير في أسعار المواد الأساسية، ما يغذي الغضب الاجتماعي ويمنح الشعارات الاحتجاجية رمزيتها المتفجرة.

وفي فيديو آخر، تظهر شابة بلباس بسيط وشعر مربوط، تتقدم مسيرة من تجار البازار في طهران خلال اليوم الثالث من الاحتجاجات. تلتفت، ترفع قبضتها، وتهتف بصوت حاد: »لا تخافوا! لا تخافوا! نحن معاً! » فيردد الرجال من خلفها الشعار بصوت واحد. وعلى جانبي الطريق، نظرات ذهول، ومارة تصوّر المشهد وتهتف: « حسنت! ما أشجع هذه الفتاة! » إن حضور هذه الشابة وسط تجار البازار يشير إلى احتمال تقاطع النضالات: فحركة « المرأة والحرية » ذات الطابع السياسي تلتقي مع سخط تجار ينتمون إلى أوساط أكثر محافظة وتقليدية.
تتعدد الشعارات الداعية إلى التعبئة والمواجهة المباشرة مع السلطة الدينية، ومنها: « أيها الإيراني، ارفع صوتك وطالب بحقوقك »، و « لا تكونوا متفرجين، انضموا إلينا »، وهو ما هتف به طالبات جامعة يزد في 3 ديسمبر. كما تردد شعار «حرية! حرية! حرية!» في أكثر من جامعة، لا سيما في جامعة نصير الدين الطوسي للتكنولوجيا بطهران، حيث ردّده الطلاب في الممرات والمهاجع، وكذلك في جامعة طهران يوم الاثنين 5 يناير، ما دفع السلطات إلى تطويق الحرم الجامعي، قبل أن تمتد الاحتجاجات في اليوم التالي إلى نحو عشر جامعات كبرى في العاصمة.

وفي 1 يناير، بمدينة مرودشت قرب شيراز، ظهر شبان صغار جداً في فيديو واسع الانتشار، وهم يوجهون تهديداً مباشراً للمرشد الأعلى: « هذه سنة الدم، يا سيد علي [خامنئي]، ستُسقط »، بينما هتف طلاب جامعة طهران: « الموت لولاية الفقيه! ». بهذه الشعارات، يطعن المحتجون في الأسس نفسها التي قامت عليها الجمهورية الإسلامية، وفق نظرية «ولاية الفقيه» التي وضعها آية الله الخميني، والتي تمنح رجال الدين السيادة على السلطة السياسية. إن استهداف خامنئي يعكس رفضاً مزدوجاً: لشخصه ولنظام الحكم الذي يجسده.

الطريق العمالي المستقل

للمرة الأولى على الأرجح في إيران، تتلاقى في حركة شعبية واحدة المطالب الاجتماعية، والنضال من أجل الحريات الديمقراطية، والطموح الصريح لإنهاء الديكتاتورية الثيوقراطية، في مشهد يكشف عن إمكانات ثورية حقيقية.
إن طريق نضال العمال وطليعتهم بات اليوم أكثر وضوحاً من أي وقت مضى، رغم كثرة العوائق. فالإمبريالية، وأجنحة البرجوازية داخل البلاد وخارجها، إلى جانب تيارات برجوازية صغيرة ناشطة في الحراك، تقف جميعها في تعارض مع مصالح الجماهير. لذلك، يصبح من الضروري أن يفرض الثوريون توجهاً عمالياً مستقلاً.
ويقتضي ذلك خوض المعركة داخل القوى الاجتماعية الأساسية: العمال، والفلاحين الفقراء، والشباب والطلاب، عبر الارتكاز على تنظيمات مستقلة عن الديكتاتورية، موروثة من نضالات سابقة أو يتم بناؤها في خضم التعبئة. وينبغي لهذا التوجه أن يتجذر في الواقع الملموس للحراك الشعبي، عبر توحيد النضال ضد القمع بكل أشكاله، والعمل في الوقت نفسه من أجل تلبية المطالب الاجتماعية.
بهذين المسارين، يمكن توسيع المعركة العامة ضد الديكتاتورية الثيوقراطية، وفتح الطريق أمام الشعب الإيراني ليقرر مصيره بحرية عبر جمعية تأسيسية ذات سيادة. وعلى هذا الأساس، ستتجمع الطليعة العمالية الثورية.

بقلم عبد القادر بن طالب، نقلاً عن مواقع إخبارية

Laisser un commentaire

En savoir plus sur Hada Raïna - ھذا راينا

Abonnez-vous pour poursuivre la lecture et avoir accès à l’ensemble des archives.

Poursuivre la lecture