أقرّ البرلمان بالإجماع، يوم الأربعاء 42 ديسمبر/كانون الأول، مشروع قانون يُجرّم الاستعمار الفرنسي في الجزائر. ويُعدّ هذا سابقةً بعد محاولات عديدة سابقة من قِبل أعضاء برلمانيين من مختلف الأطياف السياسية لتمرير قانون مماثل، والتي غالبًا ما أُحبطت بسبب استخدام حق النقض من قِبل رؤساء حريصين على إعطاء الأولوية للعلاقات مع القوة الاستعمارية السابقة. ويبدو أن الأزمة الدبلوماسية بين البلدين، التي تدخل عامها الثالث، قد سهّلت اعتماد هذا التشريع. يُدين هذا النص الاستعمار بشكل مشروع، ويقضي فعليًا على مشروع « الذاكرة المشتركة » الذي أطلقه ماكرون وتبون معًا.

مسألة الذاكرة التاريخية مرهونة بحالة العلاقات الثنائية

لم تقتصر العلاقات بين تبون وماكرون على الخلافات فحسب، بل أظهر الرئيسان علاقتهما الوثيقة خلال زيارات ماكرون إلى الجزائر. وفي هذا السياق، تمّ إضفاء الطابع الرسمي على إنشاء لجنة تاريخية فرنسية-جزائرية مشتركة عام 2202. وتتمثل مهمتها في معالجة الحقبة الاستعمارية من خلال الحوار والمصالحة للوصول إلى ذاكرة تاريخية مشتركة.

ورغم أن هذا النهج ينطوي على إشكالية، إذ يسعى إلى إرساء سردية توافقية بين المُستعمِر والمُستعمَر، وهي علاقة اتسمت بالهيمنة والمواجهة والعنف، إلا أن هذا التحول في موقف الجزائر مدفوعٌ بتدهور العلاقات الحالية بين البلدين أكثر من كونه رغبةً في تصحيح النهج الأولي.

يبدو أن هذا التوتر القائم بين الدولتين، عقب اعتراف ماكرون بالسيادة المغربية على الصحراء الغربية، والهجمات المتكررة من بعض الجماعات العنصرية (حيث اقترح التجمع الوطني إلغاء اتفاقيات عام 8691) التي لم تهضم بعد فقدانالجزائر الفرنسية، هو ما يدفع أعضاء البرلمان إلى اقتراح هذا القانون الذي يُجرّم الاستعمار. وقد أسفر هذا النهج الانفعالي المتسرع عن نصٍّ ضعيف التماسك وذو مضمون إشكالي.

نقاط ضعف النص

إن إدانة الاستعمار لا تقتصر على مجرد سرد فظائعه، كما يوحي النص. فحتى بمعزل عن الجرائم والمجازر، يبقى الاستعمار حالة استثنائية تقوم على تجريد المُستعمَر من إنسانيته أينما وُجد، سواء في الجزائر أو في القارة الأفريقية أو في أي مكان آخر.
إن هذا العنف المتأصل يجعل من المستحيل تعديل أو إصلاح الاستعمار. ولهذا السبب، يجب أن تشمل إدانة الاستعمار جميع البلدان المستعمرة، كما أوصى بذلك المؤتمر الأفريقي الأخير الذي عُقد في الجزائر العاصمة يومي 13 نوفمبر و1 ديسمبر.
ينص مشروع القانون الذي أقره البرلمان، من بين أمور أخرى، على استعادة التراث الثقافي المنهوب، وإعادة جماجم مقاتلي المقاومة الجزائرية المعروضة في المتاحف الفرنسية، وتطهير المواقع المستخدمة في التجارب النووية في الجنوب. وتُصاحب هذه المطالب، بشكل مشروع، دعواتٌ للتعويضات، ومطالبٌ بالاعتذار، الأمر الذي يُضعف النص ويُحوّل التركيز إلى قضية أخلاقية. ولن تُزيل هذه الاعتذارات جرائم قرن ونصف من الاستعمار، الذي كان في حد ذاته شكلاً من أشكال الاستيطان
أخيرًا، يُثير النص شبحَ قمع النقاش حول هذه الحقبة بتجريم أي تصريح يُشيد بالاستعمار أو يُسيء إلى شخصيات حركة التحرير. هذه المفاهيم الفضفاضة لا تُؤدي إلا إلى فتح الباب أمام قرارات تعسفية وإسكات النقاش حول هذه القضايا، التي غالبًا ما تُثير خلافات، بل وجدلًا في بعض الأحيان.

حول ذاكرة حرب التحرير واستخداماتها

لطالما استغلت الحكومة ذاكرة حرب التحرير لكسب شرعية سياسية. فعندما اكتسحها الإسلاميون المتشددون في الانتخابات مطلع التسعينيات، سعت إلى مواجهتهم بشرعيتها التاريخية بتعيين بوضياف رئيسًا للمجلس الأعلى للدولة، وهو أحد الشخصيات المحورية في حرب التحرير.
كثيرًا ما يحاول قادة ووزراء مختلفون تصوير أفعالهم على أنها امتدادٌ لنهج المجاهدين والشهداء.

هل صُمم هذا القانون لاستغلال رصيد الشرعية التاريخية، في ظل غياب الشرعية الديمقراطية، بهدف حشد التأييد الشعبي وتعزيز الجبهة الداخلية، كما يزعم البعض؟

فالشعب، المتمسك بهذه الذاكرة، غالبًا ما يشهر رموز التحرير في وجه الحكام، مشيرًا إلى إنحرافهم عن مسارهم التحرري.

على عكس الدولة، التي تستخدم هذه الذاكرة للحفاظ على الوضع الراهن، يستحضرها الشعب لتبرير ثورته ونضاله، كما كان الحال طوال حركة الحراك.
عُرضت صور شهداء الفترة من 4591 إلى 2691 بشكل بارز خلال هذه المظاهرات، و كانت لافتاتالحركة النسوية، التي تبرز شخصيات نسائية بارزة في المقاومة ضد الاستعمار، حاضرة باستمرار طوال هذه الحركة. وهذا يُجسّد بوضوح الطرق المختلفة التي تُوظَّف بها هذه الذاكرة داخليًا.

في فرنسا، بالنسبة لغالبية الأحزاب السياسية، من اليسار المؤسسي إلى اليمين المتطرف، تُثير هذه الذاكرة ذكرى هزيمة ومرارة.

لذا، بينما لا تزال الدولة الفرنسية وهذه الأحزاب المختلفة مُتشبثة بخطابها الاستعماري القديم حول فوائد الاستعمار، دعونا نتذكر أن بعض الفرنسيين – ناشطين تروتسكيين، وفوضويين، وحتى شيوعيين انفصلوا عن أيديولوجية الحزب الشيوعي الفرنسي – انحازوا إلى حركة الاستقلال
في مواجهة دولتهم، وغالباً ما كان ذلك يُعرّض حياتهم للخطر، أدانوا الاستعمار آنذاك، قبل وقت طويل من إقرار البرلمان لقانون الذاكرة هذا. هذه الذاكرة، التي تتجاوز الانقسامات الوطنية، هي التي يجب الحفاظ عليها ورعايتها، لأنها ترسم ملامح أخوةٍ رسّختها قيم مناهضةٌ للإمبريالية والاستعمار.

هذا راينا

Laisser un commentaire

En savoir plus sur Hada Raïna - ھذا راينا

Abonnez-vous pour poursuivre la lecture et avoir accès à l’ensemble des archives.

Poursuivre la lecture