رأى ترامب أن تدمير النظام الإيراني هو إحدى الخطوات الأساسية لتحقيق الهيمنة الأمريكية على العالم منذ بداية ولايته. ولهذا، انسحب في عام 8102 من الاتفاقية النووية بين الولايات المتحدة وإيران، ممهداً الطريق لحرب كانت ستندلع في ذلك الوقت لولا الأزمة الصحية العالمية التي أوقعت العالم في مأزق اقتصادي، مما أرجأ الحرب التي كان ترامب قد توعد بها النظام الإيراني. وحتى قبل مغادرته البيت الأبيض، أقدم ترامب على أقصى ما يمكن لرئيس في نهاية ولايته أن يفعله، وهو اغتيال قائد الحرس الثوري الإيراني قاسم سليماني في يناير 0202. إن عداء ترامب لإيران لا ينبع من كراهية للنظام الحاكم، إذ لا يمانع ترامب في التفاهم مع أنظمة أكثر رجعية في المنطقة؛ بل إن عداءه لإيران يندرج في إطار استراتيجية الولايات المتحدة الأمريكية للسيطرة على العالم.

إن عودة ترامب إلى البيت الأبيض أعادت معها هوس تدمير النظام الإيراني، وهي خطوة استراتيجية كبرى تهدف إلى تمكين أمريكا من السيطرة على سلاسل توريد المواد الأولية عالميًا. فبعد طرد الصين من قناة بنما، وإخضاع النظام الفنزويلي، وتقوية نفوذها في جزيرة جرينلاند، تأتي الحرب على إيران كخطوة أخيرة نحو السيطرة الشاملة على معظم سلاسل الإمداد. تُعد هذه الحرب المباشرة على إيران حربًا غير مباشرة على الصين؛ فرغم سعي ترامب لإعادة تنشيط القدرة الصناعية الأمريكية، لا تزال الصين متقدمة جدًا بحيث يصعب على أمريكا اللحاق بها حاليًا. لذلك، تتبنى الولايات المتحدة استراتيجية السيطرة على كافة سلاسل توريد المواد الأولية ومناطق العبور، مما يتيح لها خنق الصين في حالة الحرب أو فرض أجندتها في أوقات السلم.

عسكرة الحظر!

أغلبية حالات الحظر الذي تفرضه الولايات المتحدة الأمريكية لمعاقبة « التلاميذ العُنُد » لم تحقق أي نتيجة، وأغلبها مجرد عقوبات على حلفائها الأوروبيين وليست ضد البلدان المحظورة. فالعقوبات على إيران، وروسيا، وفنزويلا ما هي إلا عقوبات غير مباشرة على الأوروبيين حتى تُخنق الاقتصاد الأوروبي وتُفرض التبعية على الأنظمة الأوروبية. البلدان المحظورة تبيع غالبية إنتاجها النفطي والغازي، على غرار روسيا التي تملك أسطولاً ضخماً من ناقلات النفط والغاز، وإيران التي تشتري الصين معظم إنتاجها النفطي. بعد عودة ترامب إلى البيت الأبيض، قرر جعل العقوبات فعلية بعسكرة الحظر، فالناقلات الروسية أصبحت تحت مجهر الولايات المتحدة، وتمت مصادرة العديد منها، وتم فرض حصار عسكري على فنزويلا الذي مازال قائماً إلى الآن رغم دخول النظام الفنزويلي بيت الطاعة. وحالياً تشن الولايات المتحدة حصاراً عسكرياً تحول إلى حرب حقيقية مع نظام إيراني حَظَرَ نفسه لمدة عقود من الزمن لهذه المعركة التصادمية.

إيران تقاوم و تخلط اوراق ترامب

لم تنتهِ الحرب على إيران؛ فالرد الإيراني أربك مخططات ترامب، الذي راهن على إرغام النظام الإيراني على الجلوس إلى طاولة الحوار بعد مقتل خامنئي والعديد من القادة والانصياع لإملاءات أمريكا أسوة بجيرانها في الشرق الأوسط، لكن الأمر أصبح أكثر تعقيدًا. فعلى الرغم من التفوق العسكري الأمريكي الإسرائيلي، ترد إيران على كل غارة بحملة صواريخ تستهدف القواعد الأمريكية والإسرائيلية. ورغم أن أمريكا هي من أعلنت الحرب وجرت معها إسرائيل، توحي تصريحات نتنياهو وترامب بأن لكل طرف أهدافًا متباينة؛ فإسرائيل تتحدث عن تدمير إيران، بينما يركز ترامب على إخضاع النظام. ويقابل ذلك تعنت إيراني وتوسيع رقعة الصراع لتشمل كافة البلدان التي تضم قواعد عسكرية أمريكية، مع تدمير العديد من المنشآت العسكرية الأمريكية في المنطقة. وما كانت الحرب أن تتوسع لولا إعطاء الأنظمة العربية الضوء الأخضر لاستعمال أجوائها لقصف إيران، الخطوة التي جعلتها طرفًا في الصراع.
إسرائيل صوتت على ميزانية حرب إضافية وأمريكا تستدعي أسطولًا آخر. حتى وإن صرح ترامب بأن القدرات الدفاعية الإيرانية كلها خارج الخدمة، يبقى تصريح للاستهلاك المحلي، فالجميع يرى أن إيران ما زالت تقاوم بوحدة نارية لا بأس بها. فإن كانت الحرب قد انتهت، فما الدافع لأسطول آخر وميزانية إضافية لإسرائيل؟ الأمور لم تسر حسب المخططات الأولى، فالعملية السريعة التي راهن عليها ترامب، مثل ما حدث في فنزويلا، أصبحت حربًا حقيقية لم يُحسب لها. فإذا كانت إيران منهزمة، فلماذا دعت حلفاء أمريكا للتدخل لفتح مضيق هرمز؟ الأمر المثير للسخرية أن ترامب قام حتى بدعوة الصين للمساعدة في فتح المضيق. ترامب قام بنشر ما يزيد عن 0005 عسكري في القواعد الأمريكية في الشرق الأوسط في الأسبوع المنصرم، ووزير الدفاع الأمريكي يتوعد بحرب « دون شفقة » لفتح مضيق هرمز. دلالات تقول إن الولايات المتحدة الأمريكية في حرب وليست في مهمة كما صرح الرئيس الأمريكي في 82 من فبراير في البداية. هذه الحرب بدأت تأخذ أبعادًا أشبه بتلك الحرب في مضيق الدردنيل في مارس 5191 ، مثل ما جاء في تقرير المعهد الأسترالي للسياسات الاستراتيجية (ASPI)، حيث شنت القوى البريطانية والفرنسية والأسترالية حربًا لافتكاك المضيق من الدولة العثمانية المنتهية من أجل تمويل الحليف الروسي ضد ألمانيا. وانتهت هذه الحرب بخسارة ما يزيد عن 4 ملايين جندي دون افتكاك المضيق من الدولة العثمانية.

إسرائيل تملك أطماع أخرى

اغتنم النظام التوسعي الإسرائيلي فرصة هذه الحرب لشنّ اجتياح على جنوب لبنان، متذرعًا بخرق حزب الله لوقف إطلاق النار؛ وهو ادعاء لا يختلف عن سابقاته. فالمتابعون للشأن اللبناني أحصوا 0081 خرق إسرائيلي لوقف إطلاق النار منذ دخوله حيز التنفيذ في أبريل 4202 . إن المشروع التوسعي الإسرائيلي واقع يعيشه الفلسطينيون في غزة والضفة الغربية، والآن يطال جنوب لبنان، حيث تحاول إسرائيل تهجير سكان الجنوب اللبناني إلى الشمال. لا يمكن لأحد الجزم بأن اجتياح لبنان من قبل إسرائيل كان ضمن مخططات ترامب، لكن إسرائيل تمتلك أطماعها في المنطقة واستغلت هذه الفرصة لفرض أجندتها. ترامب حَذِرَ من التصريحات عن هذه العملية في لبنان في بدايتها حتى الاجتماع الذي عقده في العاشرة من فبراير مع نتنياهو حيث قدمت إسرائيل للولايات المتحدة طلب المحافظة على المواقع التي تم احتلالها في لبنان.

هل هي آخر حرب في عهدة ترامب الثانية ؟

بينما أمريكا تواصل حربها على إيران، بلد آخر قد يدخل تحت نيرانها من حين لآخر، وهي كوبا التي تختنق كليًا بسبب الحصار الأمريكي. تقريبًا كل الإدارات متوقفة بسبب عدم توفر الطاقة الكهربائية. المواطنون أصبحوا يستعملون الحطب للطهي، المستشفيات بدون كهرباء ونقص فادح في المواد الصيدلانية. بعد خطف مادورو ودخول فنزويلا بيت الطاعة، لم يبقَ لـ 11 مليون كوبي أي متنفس، فأمريكا تمنع بيع البترول والغاز وتهدد بعقوبات صارمة لكل مخالف. حتى روسيا والصين لا تتجرأ على كسر الحصار الأمريكي على الجزيرة الكوبية. ترامب الذي وعد بإنهاء الحرب الأوكرانية في 42 ساعة، ها هو يدخل العالم في حروب أخرى، فكل الصراعات المتواجدة حاليًا في العالم أمريكا طرف مباشر أو غير مباشر فيها. الحرب ليست صراع شوارع حتى يمكن أن تُنهيها في 42 ساعة، فإن أرادت أمريكا إنهاء الحروب فمن المنطقي ألا تبدأها مثل هذه الحرب التي تحلق على رؤوس الكوبيين.

هل من أمل ؟

لم تأتِ الإمبريالية يومًا لتحرير الشعوب، بل لاستعبادها وسرقة ثرواتها. هذه حرب إمبريالية جديدة، حرب للنهب، ولن تكون الأخيرة ما دام منطق الإمبريالية هو المسيطر على العالم. تملك شعوب المنطقة الحق في العيش بسلام؛ فلا يوجد إيراني يحلم بامتلاك قنبلة نووية، ولا سعودي يطمح لسلاح مدمر، ولا عامل أمريكي يتمنى تدمير بلد أو بناء حاملة طائرات. جميع شعوب العالم تسعى للعيش في هناء. و من أجل العيش في سلام لا خيار لنا سوى الإنقلاب على النظام الأمبريالي. تبقى الطبقة العاملة هي الطبقة الوحيدة التي لا تملك مصلحة في هذه الحروب الرأسمالية، ومصير العالم يبقى حبيس وعي العمال عبر العالم بمصالحهم الطبقية. ولكي يتحقق هذا الوعي، يجب على المناضلين الأمميين الثوريين توحيد صفوفهم والعمل على توحيد الطبقة العاملة لمواجهة خطر الأمبريالية وحروبها الحالية والقادمة. محاولات كثيرة من طرف عمال الموانئ وعمال القطارات في إيطاليا واليونان والمغرب وفرنسا ضد شحن الأسلحة لإسرائيل في الأشهر الماضية، و ايضا نضال العمال والجماهير الشعبية في منيابوليس ضد مليشيات ترامب العنصرية يأتي كبريق أمل على أن عالمًا آخر ممكن.

رشيد بن حكيم

Laisser un commentaire

En savoir plus sur Hada Raïna - ھذا راينا

Abonnez-vous pour poursuivre la lecture et avoir accès à l’ensemble des archives.

Poursuivre la lecture