بدعوة من وزير الداخلية والجماعات المحلية والتهيئة العمرانية، سعيد سعيود، حلّ نظيره الفرنسي لوران نونيز بالجزائر في زيارة دامت يومين (الاثنين 71 والثلاثاء 81 فيفري). وتمحورت المباحثات أساسًا حول القضايا ذات الطابع الأمني وسبل استئناف التعاون الذي ظلّ مجمّدًا بالكامل منذ أشهر. وتأتي هذه الزيارة في سياق أزمة دبلوماسية مفتوحة بين البلدين.

زيارة طال انتظارها وتأجلت أكثر من مرة، لتتحقق أخيرًا في مناخ يتسم بتوتر غير مسبوق بين الدولتين. فقد تم سحب السفيرين، وتوقفت قنوات التنسيق الأمني، وحلّ الخطاب المتشنج محل اللغة الدبلوماسية الهادئة. وتدخل الأزمة الحالية عامها الثاني على التوالي، بعد أن فجّرها انحياز الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى الطرح الاستعماري المغربي في ملف الصحراء الغربية، قبل أن تتعمق بفعل الاستفزازات المتكررة لوزير الداخلية الفرنسي السابق برونو روتايو، مدعومًا بأوساط إعلامية معادية للهجرة وللجزائر.
وكان روتايو قد حوّل الجزائر إلى ورقة في التجاذبات السياسية الداخلية بفرنسا، من خلال خطابات تصعيدية ومحاولات لترحيل مهاجرين جزائريين خارج الأطر القانونية. غير أن هذه المساعي اصطدمت بموقف جزائري حازم، تمثل في رفض عمليات الترحيل وتطبيق مبدأ المعاملة بالمثل إزاء أي إجراءات تضييقية صادرة عن وزارة الخارجية الفرنسية. وقد غذّى ذلك خطابًا قوميًا دفاعيًا ذا نزعة شوفينية، ما زاد العلاقات احتقانًا وأثر حتى على المجال الاقتصادي. ويكفي التذكير بأن الجزائر استبعدت الممونين الفرنسيين من مناقصاتها الدولية لشراء القمح، فيما دفعت باريس الاتحاد الأوروبي نحو تقليص حصص صادرات الحديد والصلب الجزائرية إلى السوق الأوروبية.
يعكس حجم هذه الأزمة، التي لم نعرض هنا سوى بعض تجلياتها، جسامة التحديات المطروحة لتجاوزها. ولا يبدو أن عبارات الارتياح التي أبداها لوران نونيز عقب لقائه بسعيود، ثم بالرئيس عبد المجيد تبون الذي استقبله، كفيلة وحدها بإحداث اختراق حقيقي. لذلك تظل التصريحات حول «تعاون أمني رفيع المستوى» بحاجة إلى قراءة حذرة ومتأنية.
بوادر لخفض التصعيد؟
صحيح أن زيارة واحدة لا تكفي لتفكيك أزمة بهذا العمق، لكنها قد تشكل خطوة أولى في مسار تهدئة يفتح الباب أمام عودة تدريجية إلى علاقات أكثر توازنًا وأقل توترًا، خاصة في ظل معطيات جديدة.
فملف الصحراء الغربية، الذي شكّل شرارة الأزمة، لم يعد اليوم بيد باريس كما كان سابقًا، إذ انتقلت المبادرة إلى الولايات المتحدة التي ترعى مسار المفاوضات بين جبهة البوليساريو والمغرب، بمشاركة الجزائر وموريتانيا بصفة ملاحظين. وهو ما جعل الجزائر لا تنظر إلى الموقف الفرنسي باعتباره حاسمًا كما في السابق.
إلى جانب ذلك، يضغط جزء من أرباب العمل الفرنسيين من أجل استعادة قنوات الحوار، حفاظًا على حصتهم في السوق الجزائرية التي تشهد تقلصًا متزايدًا. وقد عبّرت عن هذا التوجه شخصيات سياسية فرنسية، من بينها سيغولين رويال التي استقبلها الرئيس تبون مؤخرًا. كما أن الأسلوب الهادئ الذي يعتمده لوران نونيز، مقارنة بنبرة سلفه العدائية، قد يسهم في تهيئة مناخ أقل احتقانًا.
الشعوب لا ينبغي أن تدفع الثمن
يبقى السؤال مطروحًا حول مآلات هذه اللقاءات، غير أن المؤكد هو أن تدهور العلاقات الرسمية انعكس سلبًا على أوضاع المواطنين في الضفتين. فقد أدت أجواء الريبة وتشديد إجراءات التنقل إلى حرمان كثيرين من زيارة عائلاتهم وأقاربهم عبر المتوسط. ولا يزال دبلوماسي جزائري يقبع في السجن في فرنسا على خلفية شبهات، فيما يظلّ صحافي رياضي فرنسي رهن الاعتقال بالجزائر. هؤلاء المواطنون والموظفون لا ينبغي أن يتحملوا تبعات التوترات السياسية بين الحكومتين.
إن العودة إلى علاقات طبيعية قد تخفف من معاناة الناس، في انتظار القطع النهائي مع علاقات غير متكافئة كرّستها عقود من التبعية لفرنسا ولمنظومة الهيمنة الإمبريالية عمومًا. غير أن تحقيق مثل هذا التحول الجذري لا يبدو ضمن أولويات السلطة الحالية والرئيس أو الطبقة المهيمنة، التي ترتبط مصالحها وتشابكاتها الاقتصادية والسياسية بهذه القوى ارتباطًا وثيقًا، بما يجعل الرهان عليها لإحداث قطيعة فعلية رهانًا محدود الأفق.
كمال هامل

Laisser un commentaire