تحت غطاء التحديث، تكشف سياسة الشمول المالي في جوهرها عن صراع بين فصائل مختلفة من رأس المال تسعى إلى الحفاظ على امتيازاتها. فتدافع كل من الدولة، ومكوّنات البرجوازية المتعددة، والبرجوازية الصغيرة التجارية عن موقعها، في حين يبقى العمال وحدهم من يتحمّلون العبء الضريبي، والتضخم، وعدم شفافية نظام قائم على التملّك الخاص للثروات العمومية.

جهاز مالي خاضع للسيطرة السياسية
تُبرز سياسة الشمول المالي المنتهجة خلال السنوات الأخيرة تناقضات نمط إنتاج يشكّل فيه القطاع غير الرسمي، الذي يقدَّر بنحو ٪04 من الناتج الداخلي الخام، أي ما يعادل 372 8 مليار دينار وفق أرقام البنك المركزي، آليةً مركزيةً للتراكم لدى عدة فصائل من البرجوازية.
وتأتي الإقالة الأخيرة لمحافظ البنك المركزي في سياق إرادة واضحة لإعادة تنظيم قطاع مالي تهيمن عليه الدولة بشكل كامل. إذ تستحوذ البنوك العمومية على الجزء الأكبر من الأصول وتعمل كأدوات للتسيير السياسي. وقد أثارت المذكرة رقم 5202 20 MAM المؤرخة في 22 ديسمبر 5202، التي فرضت إيداع المداخيل التجارية حصراً عبر الوسائل الإلكترونية وقيّدت بشدة الإيداعات النقدية، ردّ فعل فوري من حائزي رؤوس الأموال. ولم يلبث أن تم سحب الإجراء بعد خمسة عشر يوماً، بما يؤكد متانة القنوات غير الشفافة واستمرارية ممارسات تبييض الأموال.
من جهتها، أدّت عملية تعميم أجهزة الدفع الإلكتروني(EPT) في مطلع السنة إلى تحريك البرجوازية الصغيرة التجارية، التي عبّرت عن احتجاجها من دون الدعوة الصريحة إلى الإضراب. وتسعى هذه الفئة إلى الحفاظ على هوامش أرباحها عبر التهرّب الضريبي في نظام تتحمّل فيه الأجور العبء الأكبر للجباية من خلال الاقتطاع من المصدر. وهكذا تواصل الدولة إعادة إنتاج علاقات الإنتاج عبر اقتطاع فائض القيمة من قوة العمل، بوصفها المصدر الوحيد للقيمة الحقيقية.
فصائل البرجوازية في مواجهة الإصلاحات المصرفية
منذ عام 0202، توالت الإصلاحات المصرفية بين مساعي التحديث وعمليات الخصخصة الجزئية، لكنها اصطدمت بمقاومة برجوازية غير رسمية بنت نفوذها على الغموض والريع والاستحواذ على الثروات العمومية. هذه الفئة، المعروفة شعبياً بـ«أصحاب الشكارة»، المتوجّسة من جهاز الدولة، والخائفة من عمليات تدقيق محتملة قد تفضح أصول ثرواتها، ترفض الاندماج في النظام البنكي الرسمي.
ومن هنا معارضتها لإنشاء بنوك خاصة جديدة تشجّعها السلطات، باستثناء بعض المجموعات التي أسست مؤسساتها الخاصة، ولا سيما البنوك الإسلامية. وفي الوقت نفسه، تواصل الغالبية تغذية السوق الموازية للعملات، حيث بلغ سعر صرف اليورو 572 ديناراً مقابل 57.151 ديناراً في السوق الرسمية. ويعكس هذا الفارق اقتصاداً مزدوجاً تتداول فيه القيمة الحقيقية خارج المؤسسات، بعيداً عن آليات إعادة التوزيع، بما يعمّق الفوارق الطبقية.
ومع تركّز أكثر من ٪09 من الأصول في بنوك عمومية مرشّحة لخصخصة تدريجية، يقف القطاع المالي عند مفترق طرق. فخلف خطاب التحديث تدور معركة بين فصائلرأس المال: الدولة تحاول تأديب برجوازية غير رسمية متمرّدة، والبرجوازية الصغيرة التجارية تدافع عن أرباحها، فيما يتحمّل العمال عبء الجباية والتضخم. كما أن عدداً كبيراً منهم غير مصرح به لدى الضمان الاجتماعي، ما يسمح لأرباب العمل والتجارة بتحقيق هوامش أرباح أكبر.
الاقتصاد غير الرسمي: ركيزة بنيوية للرأسمالية المعولمة
الاقتصاد غير الرسمي ليس بقايا تقليدية متخلّفة، بل يشكّل ركناً أساسياً من أركان الرأسمالية المعاصرة. فهو يضم مجمل الأنشطة التي تعمل خارج التنظيمات الحكومية، مع اندماجها في سلاسل القيمة العالمية. ويتيح لرأس المال الالتفاف على الحماية الاجتماعية، والتهرّب من الضرائب، وخفض التكاليف، وامتصاص تناقضاته البنيوية.
وسواء تعلق الأمر بالعمل الهش في حواضر الشمال، أو بالورشات السرية في البلدان الصاعدة، أو بالقنوات المالية المعتمة في بعض المناطق الحرة، فإن الاقتصاد غير الرسمي يشكّل فضاءً لا غنى عنه للمرونة وإعادة إنتاج رأس المال.
وتجسّد العملات المشفّرة هذه الديناميكية، بوصفها مجالاً تتداول فيه تدفقات مالية جزئية أو كلية خارج الرقابة المصرفية التقليدية، ما يسهّل التحويلات العابرة للحدود، والمضاربة، وحركات يصعب تتبعها. وهي تعبّر عن تلاقي الاقتصاد غير الرسمي الرقمي مع استراتيجيات الفصائل المهيمنة من رأس المال المعولم.
الحدود البنيوية للشمول المالي وضرورة رفع السر المصرفي
إن الرأسمالية الجزائرية، العاجزة عن ضمان تراكم مستقر داخل دائرتها الرسمية، تعتمد على هذه الفضاءات غير المنظَّمة لامتصاص تناقضاتها: هوامش غير مصرّح بها، تدفقات معتمة، تبييض أموال، واستحواذ على العملات الصعبة. ومن ثمّ، يظهر الشمول المالي كمحاولة لإعادة إدماج هذه المجالات في القناة الرسمية، ليس بغرض تغيير العلاقات الاجتماعية، بل لتثبيت نمط تراكم يعاني أزمة دائمة.
ولا تجني الطبقة العاملة ولا الفئات الشعبية أي مكسب من هذه المواجهة، إذ تظل أولى ضحايا نظام قائم على الريع والغموض. فالبرجوازية الصغيرة التجارية تواصل إخفاء جزء من مداخيلها، فيما تبقى الفصائل المهيمنة من رأس المال بمنأى عن المساءلة.
في هذا السياق، يصبح رفع السر المصرفي مطلباً محورياً. فما دام حائزو رؤوس الأموال قادرين على إخفاء أصولهم، فلن يكون أي تحول حقيقي ممكناً. فالسر المصرفي يحمي الريوع، ويُخفي قنوات الافتراس، ويضمن الإفلات الضريبي من العقاب. وإلغاؤه من شأنه إتاحة رقابة ديمقراطية على التدفقات المالية وكشف آليات الاستحواذ على الثروات العمومية.
وطالما ظلّ النظام المصرفي أداة بيروقراطية في خدمة الشرائح البرجوازية، فسيعمل ضد مصالح الأغلبية. أما القطيعة الحقيقية فتمرّ عبر نزع ملكية من يسيطرون على تدفقات رأس المال، وتأميم البنوك تحت رقابة مباشرة من العمال، باعتبارهم القوة الوحيدة القادرة على فرض الشفافية وكسر التبعية البنيوية للاقتصاد غير الرسمي.
عاشور رضوان

Laisser un commentaire