التدخل الغربي وزعزعة استقرار منطقة الساحل
بعد اثنين وأربعين عامًا من الحكم، انهار نظام معمر القذافي سنة 1102 عقب تدخل عسكري غربي لحلف شمال الأطلسي (الناتو)، كان مدفوعًا إلى حدٍّ كبير من فرنسا في عهد نيكولا ساركوزي. وقد ترتّب على سقوط السلطة الليبية إلى تداعيات إقليمية كبرى، تمثلت في تفكك الجيش، وحدوث حالات فرار جماعي، وانتشار غير مضبوط للأسلحة نحو دول الجوار. هذا الوضع أدخل دول الساحل، التي كانت تعاني أصلًا من الهشاشة، في أزمة أمنية جديدة.

في شمال مالي، أعاد الطوارق، المنضمون إلى الحركة الوطنية لتحرير أزواد، طرح مطالبهم الانفصالية. غير أنّ عدة جماعات جهادية انضمت إلى التحالف، من بينها تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي، التي يتكون جزء من عناصرها من مقاتلين اضطروا إلى الفرار نحو شمال الساحل نتيجة الضغوط التي مارستها قوات الجيش الجزائرية عليها، إلى جانب أنصار الدين وحركة التوحيد والجهاد في غرب إفريقيا، لكن سرعان ما بسطت هذه الحركات الإرهابية نفوذها وتفوّقت على الحركة الوطنية لتحرير أزواد، مما همّش حركة الأزواد وجعلها في مرتبة ثانوية في الصراع من أجل السيطرة على شمال مالي.
الانقلابات والتحالفات الجديدة
انهارت الدولة المالية في مواجهة تقدّم الجماعات المسلحة وتصاعد التوترات الداخلية. ففي مارس/آذار 2102، أطاح انقلاب عسكري قاده النقيب أمادو هايا سانوغو بالسلطة. ورغم ذلك عجزت الحكومة الانتقالية الجديدة عن مواجهة التهديد الجهادي الزاحف نحو باماكو، فطلبت تدخلًا عسكريًا فرنسيًا. حرصًا على الحفاظ على نفوذها الإقليمي ومصالحها الاستراتيجية في منطقة الساحل، ولا سيما عبر شركاتها المستغلة لمناجم الذهب واليورانيوم، قامت باريس بنشر 0003 جندي ضمن عملية سرفال، التي استُبدلت لاحقًا بعملية برخان. وقد نجح هذا التدخل في تشتيت الجماعات المسلحة ودفعها نحو الشمال، دون أن يتمكّن من القضاء بشكل دائم على التهديد.
وُقِّعت اتفاقيات الجزائر سنة 5102 بهدف إرساء حلٍّ سياسي للنزاع، من خلال جمع مختلف الأطراف المعنية، مع النصّ على إدماج الجماعات المتمرّدة في الجيش الوطني وتعزيز مستوى الحكم الذاتي الممنوح لبعض مناطق الشمال. غير أنّ تنفيذ هذه الاتفاقات اصطدم بتعقيد المشهد السياسي المالي، الذي يتسم بتنوّع عرقي وثقافي عميق (البمبارا، الطوارق، الفولاني، العرب، وغيرهم). وشهدت البلاد انقلابًا جديدًا سنة 0202، أعقبه انقلاب ثانٍ في 1202، أوصل العقيد أسيمي غويتا إلى السلطة. وقد تخلّى هذا الأخير عن اتفاقيات الجزائر، وفضّل اعتماد مقاربة عسكرية، استنادًا هذه المرة ليس إلى فرنسا، بل إلى روسيا. واستغلت موسكو، التي كانت قد رسّخت وجودها في جمهورية إفريقيا الوسطى، القطيعة بين باماكو وباريس لتوسيع نفوذها في منطقة الساحل.

لم يُبدِ الإمام محمود ديكو، وهو شخصية دينية بارزة في البلاد ورئيس المجلس الإسلامي الأعلى في مالي من عام 8002 إلى عام 9102، معارضة أولية للانقلاب. غير أنّه، وبعد نفيه إلى الجزائر منذ سنة 3202، برز تدريجيًا كأحد رموز المعارضة للنظام العسكري، ولا سيما عبر تأسيس تحالف سياسي جديد حمل اسم ائتلاف القوى من أجل الجمهورية.
وفي إطار نفس الديناميكية المتمثلة في رفض التحالفات القديمة وإعادة تشكيل السلطة، شهد كلٌّ من بوركينا فاسو والنيجر بدورهما انقلابات عسكرية، أفرزت أنظمة جديدة. ففي واغادوغو كما في نيامي، تعهّد العسكريون باستعادة السيطرة وتحرير البلاد من الإرهاب.
وفي هذا السياق، قامت مالي والنيجر وبوركينا فاسو بإضفاء الطابع الرسمي على تعاون عسكري معزّز في إطار تحالف دول الساحل وقد تُرجم هذا التحوّل الاستراتيجي بالانسحاب النهائي للقوات الفرنسية من المنطقة، إلى جانب الانسحاب المُعلن من المجموعة الاقتصادية لدول غرب إفريقيا (الإيكواس). وتشكل هذه القرارات منعطفًا بالغ الأهمية في التوازن الجيوسياسي لمنطقة الساحل، ضمن بيئة تتسم باستمرار حالة انعدام الأمن وتصاعد نفوذ تحالف جهادي جديد، هو جماعة نصرة الإسلام والمسلمين.
نشوء تحالف جهادي منظم،جماعة نصرة الإسلام والمسلمين
في سنة 4202، سجّلت منطقة الساحل، ولا سيما مالي وبوركينا فاسو والنيجر، ما يقارب نصف الوفيات العالمية المرتبطة بالإرهاب، وذلك بحسب صحيفة أفريكا ريبورتْ.

وتتحد الجماعات الإرهابية اليوم ضمن إطار جماعة نصرة الإسلام والمسلمين وهو تحالف جديد نتج عن اندماج عدة تنظيمات جهادية، من أبرزها:
تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي – الكتيبة الساحلية، وهو الفرع الإقليمي لتنظيم القاعدة.
المرابطون، الذي أسسه مختار بلمختار.
كتيبة ماسينا، بقيادة أمادو كوفا، والتي تتمتع بنفوذ واسع في وسط مالي.
أنصار الدين، بقيادة إياد أغ غالي.
يعتمد التنظيم مقاربة هجومية جديدة، ترتكز على استهداف المحاور الحيوية التي تؤمّن تزويد العاصمة المالية بالوقود والمواد الأساسية. وتتركز الهجمات بشكل خاص على الطرق الرئيسية الرابطة بين باماكو وكلٍّ من السنغال وساحل العاج، حيث توجد الموانئ التي تعتمد عليها العاصمة في تلبية احتياجاتها من الإمدادات.
بالتوازي مع ذلك، كثّف التنظيم هجماته ضد البنى التحتية الصناعية واللوجستية، فاستهدف المصانع ومراكز الإنتاج، ووسّع من عمليات خطف الرهائن بهدف تعزيز ضغطه على الدولة وعلى الشركات المحلية والدولية. وتمثّل هذه الاستراتيجية تحوّلًا نوعيًا في نهج الجماعات الجهادية، إذ لم تعد تقتصر على المناطق الريفية أو مدن الشمال، بل باتت تضرب مباشرة في صميم القلب الاقتصادي واللوجستي لمالي.
يعتمد تمويل جماعة نصرة الإسلام والمسلمين على عدة مصادر. إذ يحقق التنظيم عائدات مالية كبيرة من خلال الفِدى وعمليات احتجاز الرهائن؛ فعلى سبيل المثال، دفعت دولة الإمارات العربية المتحدة خمسين مليون دولار مقابل الإفراج عن أحد رعاياها. كما تؤمّن عمليات الابتزاز وفرض الضرائب على السكان والتجار في المناطق الخاضعة لسيطرته تدفّقًا منتظمًا للموارد. وإلى جانب ذلك، يستفيد التنظيم من الاتجار بالمخدرات والمنتجات غير المشروعة، فضلًا عن تلقيه دعمًا عملياتيًا من تنظيم القاعدة، يشمل تزويده بالأسلحة والمتفجرات والتدريب.
يمنح هذا التداخل بين الموارد المحلية والدعم الخارجي التنظيمَ قدرًا كبيرًا من الاستقلالية المالية، ما يمكّنه من مواصلة الضغط على دول الساحل وتعميق مظاهر عدم الاستقرار وانعدام الأمن في المنطقة.
الأزمة الإنسانية والجمود السياسي
رغم أن السيناريو الأفغاني لم يُطرح بعد في منطقة الساحل، فإن الضغوط المتزايدة التي تمارسها الجماعات الجهادية تعيد تشكيل موازين القوى في المنطقة وتدفع السكان نحو فقر شديد وحالة من اليأس العميق. وقد أدى ذلك إلى نزوح جماعي، يشمل مئات الآلاف وربما الملايين من النازحين داخليًا أو خارجيا، هاربين من مناطق الصراع.
وأصبح الساحل مركزًا لفوضى تتداخل فيها الصراعات الجيوسياسية مع أعمال العنف المسلح، ما يخلق حالة كبيرة من عدم اليقين بشأن مستقبل المنطقة بأسرها. ومع ذلك، تظل حقيقة مؤكدة، وهي أن الحركات الشعبية، المدفوعة برفض عميق للإمبريالية والتي ساهمت في صعود الأنظمة الجديدة، قد تعاود الظهور من أجل المطالبة بتطلعات لم تتمكن هذه السلطات بعد من تلبيتها.
كريم ز.

Laisser un commentaire